علي الهجويري

181

كشف المحجوب

في عجلة وشدة إعجاب ؛ ولهذا ينكره السامعون ، ولا تدركه عقولهم فيقولون : « هذه عبارة عالية » سواء اعتقدوها أم لم يعتقدوها ، ولكنهم يجهلون معناها . ومن جهة أخرى فإن أهل الروحانية العالية والنظر الثاقب عندما يشهدون المشاهد لا يحاولون وصفها ولا يشغلون أنفسهم بالإعجاب بأنفسهم ويستوى عندهم المدح أو الذم ، ولا يقلقهم الإنكار أو الإيمان ، وإنه لمن الخطأ أن يتهم الحلاج بالسحر ، وأهل السنة يثبتون السحر كما يثبتون الكرامة ، لكن إظهار السحر في مقام الكمال شرك ، كما أن إظهار الكرامة في مقام الكمال معرفة باللّه ، لأن الأولى علامة على سخط اللّه ، والثانية دلالة على رضاه ، وسأبين هذا الأمر تماما في باب إثبات الكرامة . وبموافقة أهل السنة الذين هم أهل البصيرة ثبت أنه لا يكون المسلم ساحرا كما لا يحتل المشرك مكان التكريم والإجلال ، لأنه لا يجتمع الضدان . والحسين في طول أيام حياته كان لابسا لباس التقوى ، من صلاة ودعاء وصيام وأقوال كثيرة في التوحيد ، فلو كانت أعماله سحرا لما صدرت عنه كل هذه الأمور ، ولزم على ذلك أنها كرامات ، والكرامة لا تنسب إلا لولى صادق . وبعض أهل السنة ينكرون عليه أقواله التي تشير بالامتزاج والاتحاد ، ولكن خطأه في التعبير وحده ، لا في المعنى ، لأن من غلبته النشوة على أمره لا قوة له على دقة التعبير ، وزد على ذلك : أن المعنى المقصود من التعبير قد يصعب فهمه ، لذلك فان الناس قد يجهلون مقاصد الكاتب ، وهم بذلك لا ينكرون المعنى الحقيقي الذي أراده ، ولكن ينكرون الفكرة التي كونوها لعقولهم عما أراد الكاتب أن يقول . وقد رأيت في بغداد وحواليها كثيرا من أهل الزندقة يدعون الانتساب للحلاج ، ويجعلون أقواله دليلا على زندقتهم ، ويسمون أنفسهم الحلاجية ، وهم يتكلمون عنه بنفس الغلو الذي تكلم به الرافضة عن الإمام على رضى اللّه عنه وأرضاه ، وسأرجع إلى مذهبهم في الباب الذي أبين فيه الطرق المختلفة .